الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي

106

الاجتهاد والتقليد

النصّين ، فيحتاج إلى معرفة مبحث التعارض والتراجيح . ومن الأدلّة الإجماع ، فلا بدّ في الاستنباط من معرفته ؛ ومن الأدلّة العقل ، فلا بدّ من معرفة أصل الإباحة والبراءة والاستصحاب والقياس . ثمّ إنّ بعضا من الكتاب منسوخ ، فلا بدّ من معرفة النسخ ؛ ثمّ إنّ الاستدلال بهذه الأدلّة متوقّف على حجّيّتها ، فلا بدّ من التكلّم عن أنّ ظاهر الكتاب حجّة ، وأنّ أيّ سنّة وأيّ الإجماع حجّة ؛ وعن حجّيّة الظنون عن باب الظنّ الخاصّ أو الظنّ المطلق . ثمّ إنّ الأخبار والآيات قد صدرتا في غير زماننا ، فلا بدّ في معرفة أحكام المشافهين ، واشتراكنا معهم من تشخيص بفهم الأخبار والآيات بهذه القواعد المزبورة ، وذلك لا يحصل من كلّ أحد ، فلا بدّ من معرفة مباحث الاجتهاد والتقليد ؛ وعلم الأصول علم متكفّل ببيان هذه المباحث ، فلا بدّ لمن يريد الاجتهاد من معرفة هذا العلم ، بل لا يكاد يحصل الاجتهاد إلّا من العارف به . وما زعمه بعض من أنّ الاستنباط لا يتوقّف على علم الأصول ، يكذبه فعله ، ويشهد على بطلان دعواه حسّه ؛ حتّى أنّ صاحب الحدائق رحمه اللّه ، مع كونه منكرا للأصول ، كتب رسالة مقدّمة لكتابه ، وهو وإن كان زعمه أنّ هذه ردّ على الأصوليّين ، لكنّه أيضا أصول ؛ فيقعون في الأصول من حيث لا يعلمون . ولا يخفى على الناقد البصير أنّ علم الأصول ليس علما مستقلّا برأسه ، بل هو قواعد أفرزت من العلوم لتسهيل الأمر ، فإنّ بعضا منها من القواعد المتعلّقة بالعلوم العربيّة ، وبعضها بعلم الكلام . والحقّ : أنّ هذه القواعد من حيث تمهيده لاستنباط الأحكام علم الأصول ، وتصير من الحيثيّات الآخر من سائر العلوم ، ولي في صدق التعريف على بعض هذه المسائل تأمّل . وكذا ما يقولون : إنّ علم الأصول ما يبحث فيه عن عوارض الأدلّة ، فإنّ بعض